أبو حامد الغزالي

107

تهافت الفلاسفة

وصف إضافى ، ولا يرجع إلى قدرة القادر ، وإلى الفاعل « 1 » ، فإلى ماذا يرجع ؟ ! فينقلب عليهم هذا الإشكال . فإن قيل : رد الإمكان إلى قضاء العقل محال ، إذ لا معنى لقضاء العقل إلا العلم بالإمكان ، فالإمكان معلوم ، وهو غير العلم ، بل العلم يحيط به ويتبعه ويتعلق به على ما هو عليه ، والعلم لو قدر عدمه ، لم ينعدم المعلوم ، والمعلوم إذا قدر انتفاؤه ، انتفى العلم ، فالعلم والمعلوم أمران اثنان ، أحدهما تابع والآخر متبوع ، ولو قدرنا إعراض العقلاء عن تقدير الإمكان ، وغفلتهم عنه ، لكنا نقول : لا يرتفع الامكان ، بل الممكنات في أنفسها ممكنات في أنفسها ، ولكن العقول غفلت عنها ، ولو عدمت العقول والعقلاء لبقى الإمكان لا محالة . وأما الأمور الثلاثة فلا حجة فيها ، فإن الامتناع أيضا وصف إضافى ، يستدعى موجودا ، يضاف إليه ، ومعنى الممتنع الجمع بين الضدين ، فإذا كان المحل أبيض ، كان ممتنعا عليه أن يسود مع وجود البياض ، فلا بد من موضوع يشار إليه ، موصوف بصفة ، فعند ذلك يقال : ضده ممتنع عليه ، فيكون الامتناع وصفا إضافيا قائما بموضوع مضافا إليه . وأما الوجوب فلا يخفى أنه مضاف إلى الموجود الواجب . وأما الثاني ، وهو كون السواد في نفسه ممكنا فغلط ، فإنه إن أخذ مجردا دون محل يحله ، كان ممتنعا لا ممكنا ، وإنما يصير ممكنا إذا قدر هيأة في جسم ، فالجسم مهيأ لتبدل هيأة ، والتبدل ممكن على الجسم ، وإلا فليس للسواد نفس مفردة ، حتى توصف بإمكان . وأما الثالث ، وهو النفس فهي قديمة عند فريق ، ولكن ممكن لها التعلق بالأبدان ، فلم يلزم على هذا ما قلتم ، ومن سلم حدوثه . فقد اعتقد فريق منهم أنه منطبع في المادة ، تابع للمزاج على ما دل عليه كلام « جالينوس » في بعض المواضع ، فتكون في مادة ، وإمكانها مضاف إلى مادتها ، وعلى مذهب من سلم أنها حادثة وليست منطبعة ، فمعناه أن المادة ممكن لها أن يدبرها نفس ناطقة ،

--> ( 1 ) كذا في النسخ ولعلها « ولا إلى علمه بكونه ممكنا » أخذا مما سبق له .